الثورات السودانية ومتلازمة الانتكاسات (قراءة في ظاهرة الثورة السودانية) (1_2) سنغو كجوكين

*ظل مفهوم و موضوع الثورة من موضوعات المثيرة للجدل في سياق الدراسات الأكاديمية والاجتماعية والسياسية ومن موضوعات الساخنة كذلك بقدر ما يحتويه المفردة من الدلالة اللفظية ولعل تاريخ الثورات في العالم يحفل بالكثير من الحمولات المرتبطة دلاليا بالعنف الشديد سوى أن كانت ماديا أو لفظيا و اضطرابات والفواجع و العنف المفرط مما جعل بعض المؤرخين التاريخ بوصف التاريخ على أنها سلسلة من أحداث الدموية ، وإذا توغلنا عميقاً في سيرة الثورات مثل ماهو عند معظم. الثورات الشيوعية في العالم (اتحاد السوفيتي ، نيكاراغوا- بوليفيا ، الصين ، الثورة الكوبية ، الثورة البرازيلية ، وفي ثورة الفرنسية حدث مذابح سان برسليمو الشهيرة و الصراع بين يعاقبة و الملك وقتل خطيب الثورة السياسي البارز روبسبيار..وثقها الباحث الاجتماعي كارل ماركس في كتابه السادس عشر من برومير لويس بونابرت) ، لعل هذا يعود سابقاً بأن هذا الثورات قد بدأت تغييرية في مقام الأول أو قامت لإحداث تحولات جذرية على مستوى بنية الدولة القائمة أو أخري قامت سابقاً لإزالة ملوك أو رجال الدين من السلطة السياسية ، كما أن مرجعيات أغلب الحركات العالمية تؤمن ايديولوجيتها بالعنف لأسباب مرتبطة بطبيعة الأنظمة التي سادت وقتها ديكتاتوريات عائلية أو أنظمة اقطاعية يحميها جدار عسكري سميك – او نظام الحزب الواحد – أنظمة الغلبة والعنف مثل هذا الأنظمة لا يمكن مواجهتها بأدوات سلمية وكما أن المفاهيم النضال المدني ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان لم تتبلور مثل ما هي عليه الآن ، و آلية العنف المصاحب للتغيير تفرضها ضمنياً ألية (السلطة الثورية) اي يفرضها ظروف الثورة المصاحب لعملية التغيير و الاستئصال لكن السؤال المهم ماهية الثورة ، ومتى نستطيع إطلاق شارة الثورة على حراك السياسي!
وهل كل حراك سياسي يحسب على أنها ثورية ؟
*الثورة في تعريف الكثير من فقهاء
وفق ما جاء في ويكيبيديا الموسوعة الحرة
الثورة في العلوم السياسية مأخوذة من كلمة اللاتينية revolutio التحول’ أي تحول سريع وجذري في الطبقات او الدولة او الهياكل العرقية والدينية في المجتمع
الثورة كمعني سياسي هي حالة التي يشهدها تغيرات جوهرية و بنيوية مما يطرح تغيرات جديدة على عكس ما كان عليه في السابق.
كما ينطلق الثورة في فهم جلبير الأشقر الكاتب
الماركسي في كتابه الشعب يريد : بحث جذري في الانتفاضة العربية .
الثورة هي كل شعبية او تحرك سياسي بشكل عام يقوم بتغيير جذري في بنية الدولة سياسياً أو اجتماعياً.
الثورة عند المفكر الأبرز عزمي بشارة في كتابه (الثورة و قابلية الثورة) الصادر من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2012
يرى أنه أي حراك أو انتفاضة شعبية ينتج عنه انفتاح ثقافي ووعي شعبي .
ووصفه المفكر الكبير علي شريعتي في كتابه (بناء الذات الثورية)
إن الثورة الناجحة هي ما ينتج عنها ذكاء احتجاجي ووعي لدى الشعب .
أو نتاجها وعيا شعبياً واسعا يختلف عن سابقاتها.
*عليها عند مقارنة الثورات السودانية نصطلح بتسميتها الإنتفاضة الميتة لعل كل حراك شعبي حدثت إبان الثورات السودانية حملت معها أسباب الفناء و الموت الحتمي ، عند مقارنة الثورة السودانية مع نظيرتها الفرنسية قد نجد سمة مفارقات غريبة و عجيبة يصيب المرء بالذهول و لتأخذ مثلاً أسباب قيام الثورة الفرنسية
١- الأسباب الاجتماعية و الأزمة المالية الطاحنة و المشكلات الاقتصادية كالفقر والبطالة والتضخم أثناء فترة لويس السادس عشر
٢- الاصطدام المباشر مع الديكتاتورية لويس السادس عشر
٣- حركات التنوير و الأطروحات و أفكار الجديدة حول شكل الدولة نفسها و نظام الحكم التي بإمكانها معالجة الاختلالات حيث تبناها أغلبية الفرنسيين وقتها وقد ساهمت بصورة إيجابية في تلك الفترة
٤- بروز أيديولوجيات جديدة وكذلك بروز نخب جديدة حيث لم يكن باستطاعة السلطة معالجتها بسبب الفروقات الجوهرية ما بين السلطة و الثروة
ظهور مراكز جديدة للسلطة الاقتصادية والاجتماعية التى لم تمثلها السياسة وغيرها من أسباب الموضوعية التي جعلت من الثورة الفرنسية ثورة عظيمة و إنجيل لمعظم الثورات اللاحقة
*وإذا قمنا بوقعنة الأسباب في الثورات السودانية قد نجد سمة مفارقات غريبة كما أسلفنا عاليا وهذا أحد أهم أسباب الموضوعية لتعرضه للنكسات واحدة تلو الأخرى مثل ثورة أبريل ، أكتوبر ، ديسمبر كلها تشبه ما نعنيه انتفاضات عرضية عابرة أكثر من كونها ثورة تغيرات جذرية أو بنيوية و معظمها عانت من داء المشاكسات والخلافات أدت في نهايته تحقيق (انتصار كذوب) قد قمنا بوصفه بالانتصار الكذب لأن الثورات السودانية لم تستطيع تحقيق تغيرات جوهرية و معالجة الاختلالات البنيوية للدولة ولعل تصورات الطليعة الممسكة بزمام المبادرة لم يطرحون الخطط الاستراتيجية الرامية لتعزيز الثورة الثقافية وإجراء تغيرات هيكلية وفي أغلب الأحيان يسعون للمصالحة مع العدو الفعلي وأبلغ شهادة ومرت الثورة السودانية بثلاثة مراحل وكلها فشلت في وضع بنيات التأسيسية لبناء دولة حديثة يسع الجميع والمراحل كالآتي:
*المرحلة الأولى من استقلال السودان حتى ثورة أكتوبر:-
نالت السودان استقلالها في يناير ١٩٥٥ برئاسة إسماعيل الأزهري أول رئيس بعد استقلال السودان وخروج المستعمر واعتقد كانت مرحلة ملائمة لإحداث إصلاحات سياسية و اقتصادية واجتماعية التي خلفته المستعمر الإنجليزي المصري لكنها ذهبت في اتجاه المرسوم من قبل المستعمر نفسه ولعل فكرة الاستقلال يخالطه الكثير من الشكوك ، سرعان ما غرقت في بحر الصراعات السياسية بين قطبي الرئيسين وقتها الحزب الأمة والحزب الاتحادي نتيجتها تسليم سلطة للعسكريين في يوم ١٧ فبراير/ تشرين الثاني ١٩٥٨ بقيادة الجنرال إبراهيم عبود و بمبايعة إحدى الطرفين مما يسميه البعض بالانقلاب العسكري والمعلوم لا يوجد انقلاب في العالم دون إراقة الدماء وإطلاق الرصاص اي انقلاب غير دموي.
وفي يوم ٢١ أكتوبر/ تشرين الأول عقد طلاب جامعة الخرطوم مؤتمرا بإدانة ممارسات النظام في جنوب السودان والتنديد بالنظام ووقعت مناوشات بين المتظاهرين والنظام أسفرت اغتيال الطالب أحمد القرشي وفي يوم الثالث خرجت مسيرة حاشدة يفوق ٣٠ ألف في جنازة الشهيد أحمد القرشي وفي طليعتهم استاذة جامعة الخرطوم بوصفها معقل الثورة المدنية في السودان
وفي يوم ٢٣ أصدر العديد من الأحزاب السياسية بيانات يدينون بالولاء للثورة ورفض سياسات النظام الحاكم و عمت الثورة مدن اخري مثل امدرمان و بورتسودان و جوبا ، مع تزايد وتيرة الضغط الشعبي انحاز ضباط الجيش في صف الثورة تحت مسمى (الضباط الأحرار) في يوم ٢٨ أكتوبر ١٩٦٤ ، حيث وجد عبود مرغما على التنحي من السلطة وتم تشكيل حكومة مؤقتة (انتقالية) برئاسة نائب وزير التربية والتعليم سر الختم الخليفة في يوم ٣٠ أكتوبر ١٩٦٤ حيث تم إجراء الانتخابات في شهري أبريل ومايو ١٩٦٥ وفاز حزب الأمة برئاسة محمد احمد المحجوب مؤلف كتاب الديمقراطية في الميزان
الملاحظ كل هذه الأحداث الدراماتيكية لم يبرح مفهوم الانتخابات باعتبارها جوهر الديمقراطية في مفهوم الأحزاب السياسية وقتها ، لكنها لم تنجح في الإجابة على الأسئلة التاريخية المهمة مثل
كيف يحكم البلاد ؟ وكيف يتم معالجة الأزمات التاريخية ؟ دستور البلاد ؟ ونظام الاقتصادي ، نظام الحكم ، مخاطبة قضايا التهميش التاريخي و أعمال المسخرة الساعدة وقتها
إذا قمنا بمقارنة ثورة أكتوبر بالثورات الأخرى مثل الثورة الفرنسية هل يجوز لنا وصفها على أنها خطوات ثورية ام انتفاضة قامت جراء ارتفاع المعيشة في البلاد وإذا لاحظنا لم يقدم لنا إصلاحات جذرية في بنية السياسية و الاقتصادية والاجتماعية وعادت الحياة كما هي عليها ما قبل الثورة ولم يحدث تغيير البتة بل فاخمت الأزمات.
وفي يوم ٢٥ مايو/ أيار ١٩٦٩ قامت ضباط من الجيش بالاستيلاء على السلطة بقيادة العقيد جعفر النميري بمساندة من الحزب الشيوعي السودانية سيناريو إنقلاب مايو لم يختلف كثيراً إنقلاب فبراير الملاحظ كلها انقلابات غير دموية الوصف الدقيق التي يجاز علينا وصفه على أنها عملية تسليم تسلم اي انقلاب وراءها أحزاب سياسية بعينها على رغم من شعاراتها الإشتراكية في بدايات الانقلاب وهذا ديدن أغلب القوى السياسية قد ترفع شعارات زائفة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان إلا أنها الجوهر أنظمة اقطاعية وفاشية مغلقة و تقوم نظامها الأساسي على الريع و التبعية نتجت عنها فكرة زراعة طلائع طلابية في صفوف الجيش السوداني و انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في هامش البلاد.
*المرحلة الثانية ثورة أبريل وما بعدها:
إذا تفحصنا هذا المرحلة فحصا دقيقا قد لا نجد سمة مفارقات و تبدلات جوهرية ، حيث لم يبرح ثورة أبريل عتبة الشعارات الثورية و الحماس العاطفي دونما وجود لأطروحات بديلة كما هي عند الثورة الفرنسية ولعل السمة الغالبة في الثورات الشعبية في دول العالم الثالث سمة الانتكاسة والفناء الحتمي دون أن تطرأ تغييرات جوهرية في بنية المفاهيمية لذاكرة السلطة ودون تغيرات في موازين السياسية والاقتصادية والاجتماعية و أحداث وعي جمعي للشعب السوداني وانتهت بها مثل أكتوبر بانقلاب الإنقاذ المشؤوم و سنوات الثلاثين الظلمة الهالكة و انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان لم ينجو منها عمود من أعمدة المكونة للشعب ولا جديد يذكر سوى تغير الشخوص داخل قوالب السلطة المفاهيمية نفسها ، بالتالي يصح لنا وصف الظاهرة بانتفاضة العابرة ، لأنها أضحت بالفعل حدثا تاريخيا عابراً دون أن يطرق باب التاريخ و يفتح صفحاتها ليضيف حدثا مهما و عظيماً وفي هذا المرحلة حدث خيانة داخل التجمع الوطني الديمقراطي عندما تركوا رفاق الكفاح بقيادة د/ جون قرنق ديمبيور باعتبار أن حركة الشعبية لتحرير السودان وقتها أحد أهم أعمدة الثورة السودانية و سبب الرئيسي لإضعاف نظام مايو الفاشي حيث وثق د/ جون قرنق تلك الفترة عبر رسالتين التاريخيين ما بين ١٩٩٩- ٢٠٠١ ومنتشرة في صحف الالكترونيه تحت عنوان حرب الرسائل ما بين د/ جون قرنق والراحل الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي ، لذلك معظم الانتفاضات السودانية غير ناجحة و يأتي بعدها شبه الانغلاق السياسي والجمود الفكري على عكس ماهية الثورة عند المفكرين و الفلاسفة والثورات الجماهيري (الشعبية) في العالم.
لطول المقال قمنا بتجزئة على جزئين منفصلين حتى يسهل للقراء الكرام إمكانية القراءة و التفاعل المشترك
للحديث بقية ونلتقي تباعاً
18 أكتوبر/ تشرين الأول 2024