“ما لا يُقال أحيانًا أهم مما يُقال”، هذه العبارة تلخص المشهد السياسي والعسكري المتشابك في السودان. فبين التحركات التكتيكية، التفاهمات السرية، والمفاوضات التي تقام في غرف مغلقة بعيدًا عن الأضواء، تتكشف معالم خارطة جديدة للنزاع السوداني.
ما بدأ في أكتوبر الماضي بمفاوضات أديس أبابا يتحول الآن إلى واقع ملموس على الأرض، مع إعادة تموضع عسكري يهدف إلى تهدئة الصراع وإعادة ترتيب موازين القوى. لكن خلف هذه التحركات العسكرية والدبلوماسية تكمن سلسلة من الاجتماعات السرية والمفاوضات المكثفة التي لم تتوقف. على مدى أشهر طويلة، قادت هذه المفاوضات، التي يشرف عليها المبعوث الأممي رمطان لعمامرة، تحركات كثيفة بين دبي، أديس أبابا، الرياض، بورتسودان، والمنامة، التي أصبحت منذ يناير الماضي مركزًا رئيسيًا لتنسيق الجهود الدولية بشأن الأزمة السودانية.
وسط التحولات المتسارعة، تتصاعد في بورتسودان بولاية البحر الأحمر خلافات داخلية بين تيارات إسلامية متناحرة. وأكدت مصادر موثوقة أن هذه الخلافات قسمت الحزب الإسلامي فعليًا إلى تيارين: الأول بقيادة علي كرتي وأحمد هارون، والثاني بقيادة إبراهيم محمود. ما يجعل هذا الصراع خطيرًا هو خروجه من الإطار الحزبي إلى دوائر أوسع من النفوذ الإقليمي والضغوط الدولية.
هناك حديث واسع عن قيام قيادات التيار الثاني بتزويد جهات دولية، بينها الإدارة الأميركية، بمعلومات حساسة عن أحمد هارون، بهدف تسليمه والتخلص منه. هذه الخطوة تعكس انعدام الثقة داخل الحزب وانهيار بنيته التنظيمية. وتطرح تساؤلات كبرى عن مستقبل الإسلاميين في السودان، الذين يبدو أنهم فقدوا قدرتهم على التعامل مع الصراعات الداخلية دون تدخل خارجي.
البرهان، المعروف بتقلبه السياسي واعتماده على التحالفات المؤقتة، يبدو أنه يعيد ترتيب أولوياته بشكل حاد. قراره المتوقع بالانسحاب للجيش من الفاشر، إحدى أهم المدن في دارفور وآخر مدينة في يد الجيش و الحركات ، يعكس استراتيجيته في التخلي عن حركات مسار سلام دارفور، التي كانت جزءًا من تحالفه ضد الدعم السريع. ترك الحركات المسلحة في مواجهة الدعم السريع دون غطاء عسكري يعكس نهج البرهان في التخلص من الحلفاء بعد انتهاء دورهم الاستراتيجي.
هذه السياسة، التي تُظهر البراغماتية الحادة التي يتميز بها الرجل، قد تمهد لتحولات كبرى في دارفور، حيث سيتغير ميزان القوى بشكل جذري، مع ترك الحركات المسلحة وحيدة أمام خصم أكثر تنظيمًا وتجهيزًا.
شهدت الأسابيع الأخيرة انسحابات مدروسة لقوات الدعم السريع من بعض المواقع الاستراتيجية في السودان، بما في ذلك مناطق في ولاية الجزيرة. هذه الانسحابات ليست شاملة كما تروج بعض الأطراف، بل تأتي ضمن خارطة زمنية متفق عليها مع أطراف محلية وإقليمية.
في الخرطوم وبحري وأم درمان وضاحية كافوري، التي تعد واحدة من أبرز المقرات الاستراتيجية للدعم السريع، ستشهد الفترة المقبلة انسحابات تكتيكية تهدف إلى إعادة توزيع القوات. هذا التراجع لا يمثل خسارة أو تراجعًا للدعم السريع، بل يعكس خطة إعادة تموضع تستهدف التركيز على مناطق ذات أهمية استراتيجية أكبر، مثل دارفور.
وفقًا لمصادر موثوقة، فإن هذه التحركات جاءت نتيجة مفاوضات سرية مكثفة شملت أطرافًا دولية وإقليمية، وتسعى إلى تقليل التصعيد الميداني وفتح الباب أمام حلول سياسية .
وسط كل هذه الأحداث، برزت المنامة منذ يناير الماضي كمحطة أساسية للمفاوضات الدولية بشأن الأزمة السودانية. الاجتماعات التي عقدت في العاصمة البحرينية جمعت أطرافًا دولية وإقليمية مؤثرة، مع تمثيل غير معلن لبعض القيادات السودانية، بما في ذلك شخصيات محسوبة على التيارات الإسلامية.
وفقًا لمصادر دبلوماسية، ركزت هذه الاجتماعات على إيجاد حلول للصراعات المتشابكة، بما فيها الخلافات الإسلامية في بورتسودان، التي أصبحت عنصرًا مؤثرًا في مشهد النزاع. لكن الاجتماعات لم تثمر حتى الآن عن اتفاقات واضحة، إذ يبدو أن الأطراف الدولية تواجه صعوبة في التعامل مع انقسامات الداخل السوداني، التي تتغير قواعدها وتحالفاتها باستمرار.
ما يحدث في السودان اليوم هو انعكاس لصراع متعدد الأوجه، حيث تتداخل الأجندات العسكرية والسياسية مع صراعات داخلية أيديولوجية. الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاق جوبا، تكشف هشاشتها في ظل الانقسامات المتزايدة داخل القوى المسلحة، بينما تتفاقم الانقسامات الإسلامية في بورتسودان لتصبح تهديدًا محتملًا للاستقرار في البحر الأحمر.
السيناريو الأول يتحدث عن إمكانية نجاح الأطراف الدولية في التوصل إلى تفاهمات تخفف من حدة الصراع، خاصة مع وجود جهود دبلوماسية مستمرة في المنامة والرياض و اديس ابابا و القاهرة وجنيفا. . أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر خطورة، فيشير إلى احتمال انفجار الصراعات الداخلية، سواء بين الجيش والدعم السريع أو داخل التيارات الإسلامية بين تياري بورتسودان و عطبرة .
السودان يقف اليوم في لحظة تاريخية حرجة. الانقسامات الداخلية، سواء داخل الإسلاميين أو الحركات المسلحة، تجعل من الصعب التنبؤ بمستقبل واضح للصراع. بينما تتواصل الجهود الدولية، يبدو أن الشعب السوداني سيظل وحده في مواجهة نتائج هذه الصراعات إذا لم تنجح الأطراف في تحويل هذه التحركات الدبلوماسية والعسكرية إلى اتفاقات تضمن الاستقرار الحقيقي.
وفي النهاية، يبقى السودان مسرحًا لصراع معقد، تتقاطع فيه المصالح المحلية والدولية، مما يضعه أمام اختبار وجودي جديد: هل ستكون هذه اللحظة بداية مرحلة استقرار أم فصلًا جديدًا من أزمات مستمرة؟