د. فضل الله أحمد عبدالله والحنين للمشروع الحضاري الداعي لتعريب الشعوب الأفريقية والذي ولى إلى أبد الآبدين
طالعت كغيري في إحدى مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي (الواتساب WhatsApp) مقالاً مقززاً ومستفزاً لأبعد الحدود لشعب المساليت (الشعب الأفريقي الزنجي العظيم) بإسم د. فضل الله أحمد عبدالله مُعنوَناً ب “علمانية عبدالعزيز الحلو على تلال رماد دارمساليت” ولهول ما نطق به وللصدمة لم أصدقه للحظة، ورجعت وتصفحت صفحته الشخصية في الفيسبوك للتأكد وإذا بي أجد نفس المقال منشوراً في صفحته بتاريخ 24 فبراير 2025م.
من شدة دهشتي قمت بقراءة المقال مرتين لا شعوريا وكنت أتساءل لماذا يمكن أن يكتب شخصاً شيئاً كهذا ضد نفسه وشعبه وهو شخص يُفتَرَض أن يكون عالِماً ومُلماً بأهمية الثقافة وإرتباطها بالهوية كأحد مُحدداتها بصفته أستاذ جامعي وعميد كلية وكناقد مسرحي وكإنسان وصل به العلم لدرجة يُكتب فيها حرف (د.) في مقدمة إسمه ولكني سرعان ما استرجعت تفكيري وأدركتُ حقيقة الأفكار التي ظل يحملها ويبشر بها الدكتور طيلة تاريخه السياسي والتي تُمَّجِد الثقافة العربية وبالمقابل تُزييف وتُشوّه ولا تَحتَرم القيم الثقافية الأفريقية.
من خلال سردنا للمقال سنقتبس بعض ما قاله ونقوم بتفكيكها لإنارة أفكاره المظلمة ولتوعية شعبنا بخطورة ما قاله وذلك لقطع الطريق أمام تحقيق أهدافه الساعية لعملية التنزيح الثقافي (Cultural Dislocation) والإبادة الثقافية(Cultural Genocide) ضد شعب المساليت الأفريقي والذي ينتمي إليها د. فضل الله.
يجب أن يعلم الدكتور بأننا لا نكن ضده أية مشاعر عداء أو ضغائن شخصية ولكننا سنتصدى لما يؤمن به من أفكار عفى عليها الزمن وممارسات أضرّت بشعبنا أيما ضرر وعليه أن يعي ذلك ويعدل عن مساره.
د. فضل الله أعرفه، وله إحترامه في شخصه كفرد من أبناء شعبنا (المساليت) رغم إختلافنا المبدئي معه حول أفكاره والتي ظل يروج لها ويعمل من أجلها (بكل صدق وإخلاص كعضو ملتزم وتلميذ وقيادي لامع لتنظيم الحركة الإسلامية الإرهابي) ولو كانت هذه الأفكار على حساب أمن وسلامة وإستقرار شعبه في دارمساليت والشعوب الأفريقية الآخرى في السودان.
لا أعتقد ثمة أحد له دراية بالساحة السياسية السودانية لا يعرف د. فضل الله أحمد عبدالله لأنه إبن دارمساليت منطقة هبيلا كجنقسى ومعتمد محلية الجنينة الأسبق (لفترة حتى العام 2009م ممثلاً للمؤتمر الوطني) وهو أستاذ جامعي وعميد لكلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا والإبن المخلص للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المسؤول الأول (الحركة الإسلامية والمؤتمرالوطني) منذ إغتصابها السلطة في 30 يونيو 1989م من تخطيط وتنفيذ كل الجرائم والإنتهاكات والممارسات الغير إنسانية وكل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والجرائم المُحِطَّة لكرامة الإنسان كالإغتصاب والتنزيح القسري و الإذلال و الإفقار المُتَعمَّد والتشريد الذي تعرض له شعب المساليت والشعوب الأفريقية الأصيلة الأخرى ( African Indigenous Peoples) في السودان وذلك بإستخدام آلة المؤسسة العسكرية (الجيش) تارةً كما حدث في إقليم جبال النوبة وإقليم الفونج الجديدة (النيل الأزرق) و في جنوب سوداننا الغالي حتى نال الجنوب إستقلاله في العام 2011م أو بصناعة مليشيات (المراحيل، الدفاع الشعبي، حرس الحدود، الجنجويد، والآن درع السودان، كتائب البراء، والمحاولة الجارية حالياً لإعادة إنتاج زعيم المحاميد موسى هلال مرة أخرى) وتدريب هذه المليشيات وتسليحها ودعمها والإشراف عليها لإرتكاب الفظائع تارةً أُخرى كما حدث في إقليم دارفور ومناطق أخرى من السودان بما فيها دارمساليت.
وكأحد مجاهدي الحركة الاسلامية، خَدَم د. فضل الله في فترة الحرب على شعوب جنوب السودان كبوق وآلة إعلامية لتبرير ما يتم إقترافه من موبقات تجاه شعبه الأفريقي الكريم بإسم الوطنية والجهاد عبر برنامجه التلفزيوني “ساحات الفداء” لإرضاء أصحاب الإمتيازات التاريخية من القوى الظلامية للسودان القديم والعمل كموجه معنوي خلال هذا البرنامج لرفع معنويات الجنود والمجاهدين المنهارة نتيجة للهزائم المتلاحقة من قبل ثوار وأحرار الحركة الشعبية لتحرير السودان أنذاك.
كعادة قوى السودان القديم والآلة الإعلامية التابعة لها والكمبرادورات من أبناء الشعوب الأفريقية، وقع د. فضل الله في بداية مقالته في خطأ (مقصود) بمهاجمة وإستهداف القائد عبدالعزيز آدم الحلو في شخصه كإستراتيجية للأغتيال السياسي التي ظلت تمارسه أعداء التغيير الحقيقي وخاصة الحركة الإسلامية والمتطرفين من الإسلاميين. وكحالة تَهرُّب (مُتَعَمّد) من مواجهة الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال، لجأ د. فضل الله إلى إستخدام نفس الأدوات الإعلامية التي تَدَرّب وتربى عليها داخل أروقة الحركة الإسلامية والتي فشلت تماماً في مواجهة الحركة الشعبية عسكرياً وسياسياً وفكرياً ومقارعتها بالحجة والمنطق والبراهين. مثلاً حينما يقول د. فضل الله، “من قناعات عبدالعزيز الحلو ، وأكثرها التماعا في خطاباته الظاهرة، ..” ويمضي في قول “يرى [يقصد القائد عبدالعزيز ] أن الدين باسمه تم حرق الآخر وعذب، …” هل حقاً يعتقد الدكتور أن القائد عبدالعزيز كرئيس للحركة الشعبية يديرها لوحده ويتخذ قراراته بنفسه ؟ أم يحاول مقارنة الحركة الشعبية في خياله بتنظيمه الإسلامي الذي لا يؤمن بالديمقراطية ومبدأ الإدارة الجماعية ويحاول إسقاط هذا النهج على الحركة الشعبية ؟ وهل يعتقد الدكتور أن الحركة الشعبية كتنظيم ثوري (مفكوك) لهذه الدرجة حتى يؤول أمر إدارتها في يد فرد واحد من أفرادها كما هي الحال في تنظيمات السودان القديم ذات البنية الدكتاتورية والاوليغارشية والتي لا تؤمن أصلاً بمبدأ التداول السلمي للسلطة و ينتمي لأحدها د. فضل الله ؟.
يجب على الدكتور أن يعلم بأن الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال تنظيم ثوري تحرري ديمقراطي تسعي للتفكيك البنيوي لهذه الأفكار البالية وإعادة بناء الدولة السودانية بأسس جديدة تُرسِّخ مبادئ الإحتِرام المُتَبادَل والتداول السلمي للسلطة عبر إنتخابات حرة ونزيهة والتي ترتكز اساساً على البرنامج السياسي والخدمي للشعوب (والذي يقود إلى الإستقرار السياسي) وليس عبر تخدير الشعوب وخداعهم بخطابات ايدلوجية ودينية لا تحقق لهم العيش الكريم في الدنيا. ويجب أن يعلم أن الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال لديها مؤسسات على مستويات مختلفة وهي المعنية بوضع سياساتها وإتخاذ قراراتها بطريقة ديمقراطية ولاسيما القرارات المصيرية كإقامة التحالفات كالذي حدث في نيروبي في 22 فبراير 2025م.
وفي حالة يدل على الإنهيار النفسي من تفشي الوعي وسط شعبنا وخاصة الشباب منهم، يقول د. فضل الله متحدثاً عن القائد عبدالعزيز، ونقتبس، “بتلك الرؤية ظل يستقطب عبدالعزيز الحلو أعدادا كبيرة من شباب غرب دارفور ومن المساليت خاصة ” إنتهى الاقتباس. نقول للدكتور فضل الله أن القائد عبدالعزيز لا يعمل على مبدأ الاستقطاب كما هي الحال في تنظيم الحركة الاسلامية التي تنتمي لها بل يهتم ويساهم بشكل رئيسي في رفع وعي شعبنا لإخراجهم من التيه في ظلمات الإسلاموعروبية وتبني ثقافة لا تمثلهم ولا تعنيهم في شيء. ومصطلح “الاستقطاب” نفسه له دلالات “إستجلابية” ولا نستخدمها في أدبيات الحركة الشعبية وإنما نعمل لرفع الوعي الثوري بتعريف الجماهير (نُوعِّيه) بطبيعة قضاياهم وضرورة تمسكهم بثقافاتهم وذلك بإعادة توطينهم ثقافياً (Cultural Relocation) وبعدها للأفراد حرية القرار بالإنتماء للثورة وليس بالضرورة الإنتماء للحركة الشعبيةلتحريرالسودان-شمال.
وفي إستفزاز وإستهزاء واضح لشعب المساليت يقول د. فضل الله في مقاله ونقتبس، “فانتقى الآلاف منهم وأدخلهم “كهف العمى” وحجرهم في “كراكير” جبال النوبة، مسخ شخصياتهم الثقافية باسم الإفرقانية والعودة إلى الجذور” إنتهى الاقتباس. يبدو أن د. فضل الله ممتعض جداً من تنامي وعي شعب المساليت بذاتهم الأفريقي وبدايتهم بخطوات عملية وحقيقية للعودة لجذورهم الثقافية (الأفريقية) وتبني ثقافتهم قولاً وعملاً لإزالة التشوهات التي نتجت من سياسات التعريب التي انتهجتها الحكومات السودانية تجاه الأفارقة الزنوج منذ خروج القوى الاستعمارية وإعلان استقلال السودان (الناقص) في يناير 1956م وهي خطوة ثورية متقدمة في إتجاه التوطين الثقافي (Cultural Relocation) والعودة للجذور وذلك بتطوير لغتهم وكتابته وفتح مدارس ومعاهد لتدريس اللغة لضمان إستمرار تواجد اللغة الأم وتوريثه للأجيال وللتأكيد على عدم إنقراضه مستقبلاً نتيجة لسياسات التعريب المستمرة من قبل المركز الإسلاموعروبي (العدو الحقيقي لكل الشعوب الأفريقية الاصيلة في السودان) حتى الآن والتي ظل د. فضل يخدمها بكل صدق وأمانة وإن كان نتيجتها الإبادة الجماعية والتطهيرالعرقي. وقوله عن مشروع العودة إلى الجذور وإستخدام شعبنا لموروثه الثقافي بأنه “مسخ” هو إهانة لنفسه أولاً ولشعب المساليت ثانياً ولكل الشعوب الأفريقية الاصيلة ثالثاً ويجب أن يعتذر الدكتور لشعبنا ويطلب الصفح والعفو عن ما بَدَر منه.
وما أزعج وأغضب د. فضل الله أكثر (لدرجة أن يقوم بإجهاد نفسه وكتابة مقال ونشره) هو بداية شعب المساليت بالتخلي عن الأسماء العربية (المستعارة) والتي لا تُعبِّر عن ذواتهم كشعب أفريقي زنجي له ثقافته ولغته الخاصة. فقال د. فضل الله، ونقتبس، “ودعوا أهلهم [يقصد الشباب او الرفاق تحديداً] بأن لا يسمو بناتهم فاطمة وعائشة ، ولا أبناءهم باسم محمد ، أو أحمد، ولا ابوبكر، لأن في محمولاتها ثقافة العرب” انتهى الاقتباس. حقاً إنه لأمر يدعوا للإستغراب والدهشة، هنا نتساءل ما هي القيمة الثقافية أو الميزة التي تجعل هذه الأسماء (العربية) في موضع “أفضلية” على الأسماء الأفريقية (مثل براقا ، نيليلا، أيجي، ودكروو وتتوجا وماجيكا وكيوك، كوكو، دينق، وغيرها) التي يحاربها د. فضل الله ؟ وهل التسمية بالأسماء العربية فرض أو واجب على المسلمين أو ركن من أركان الإسلام أو الإيمان؟ وهل يستطيع د. فضل الله أن يُثبت بدليل قاطع من القرآن الكريم أو السُنة (أحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام)، يدل على وجوب أو فرضية الأسماء العربية على المسلمين أو بأنها ركن من أركان الإسلام أو الإيمان ؟ وهل من لا يُسمى أبناءه بالأسماء العربية أو من لا يحمل هذه الأسماء أصبح خارجاً عن الإسلام؟. الإجابة لا، كما لا يستطيع د. فضل الله أن يجيب بالإيجاب على اي من تساؤلاتنا او يُثبت صحتها.
هذا النوع من الخطابات يدل على ان د. فضل الله يعيش حالة من الحنين والنستلجيا لماضي مشروعهم الحضاري المظلم ومقالته المقززة والمستفزة لشعب المساليت (الأفريقي الزنجي الحر) ما هي إلا محاولة يائسة للصيد في المياه العكرة محاولاً الإستفادة من الظروف الإستثنائية التي تمر بها الحركة الشعبية من هجوم وتشويه من قبل أعداء التغيير الحقيقي وآلياتهم الإعلامية (المجانية) من الشعوب المهمشة لأن الدكتور وتنظيمه و أعداء الحركة لا يستطيعوا مقارعة الحركة الشعبية في الظروف العادية.
ونقول للدكتور فضل الله أحمد عبدالله، ان شعبنا (المساليت) وكل الشعوب الأفريقية في السودان وصلوا مرحلة متقدمة من الوعي والإعتزاز بثقافاتهم الأفريقية وبضاعتك هذه قديمة وبالية ولن تنطلي على شعب المساليت وبقية الشعوب الأفريقية الأصيلة التواقة للحرية.
ونؤكد بأن مشروع العودة للجذور وعمليات التوطين الثقافي ماضية ولن يستطيع د. فضل الله أو أي أحد أن يفعل شيء حيال ذلك سوى حرق (نبذ) أنفسهم تجاه شعبهم لأن الشعوب الأفريقية في السودان اليوم أصبحت في قمة وعيهم الثقافي وليس هي نفسها قبل عشرين عاماً.
و نرسل تحية شكر وإمتنان لمدير معهد دروتي للغات الرفيق Tûkûñi Kûyûkû Aaka Tommboocha Gide (ابوبكر إبراهيم إسماعيل) وكل مدراء معاهد اللغة المسراوية والمعلمين في مختلف الأماكن لما بذلوه من مجهودات جبارة في تطوير اللغة المسراوية (مسرك) حتى أصبح يُقرأ ويُكتب ويُدرّس في المدارس بمنهج متكامل وايضا التحية للطلاب وكل جماهير شعبنا في معسكرات اللاجئين في الدول المختلفة لإهتمامهم بتعلُّم وتعليم أبناءهم لغتهم الأصيلة وثقافتهم.
واخيراً دعوتنا لكل الشعوب الأفريقية الاصيلة في السودان الإهتمام والتمسك بثقافاتهم والعمل على تطوير لغاتهم الأصيلة لأن معركة الإنتصار على مساعي التنزيح الثقافي والإبادة الثقافية لا يقل أهمية عن النضال المسلح بل متكاملة معها. لذلك من الضروري الوعي بأبعاد الصراع الثقافي الهوياتي في أزمة الدولة السودانية لأنها واحدة من الأدوات الناعمة التي ظلت تستخدمها الحكومات العروبية في السودان ضد الشعوب الأفريقية والمهمشة بالضرورة.
فاليستمر الثورة الثقافية والنصر أكيد
ورمضان كريم لكل الشعوب المناضلة
مجتبى حماد آدم Maajika Ta Baba
السبت الموافق 1 مارس 2025م
أونتاريو – كندا