بقلم : ابراهيم اندوكا (bari.slami@gmail.com )
في قلب غرب دارفور، كانت الجنينة دائمًا مدينة نابضة بالحياة، أسسها الآباء الأوائل حيث تمزج بين جمال الطبيعة وتنوع سكانها الذين عاشوا معًا في وئام لعقود، قبل أن تصبح كل تلك الروابط والعلاقات أثرًا بعد عين. تعرضت المدينة لسلسلة من الهجمات المتتالية وبلغت ذروتها بعد أن اشتعلت نار حرب 15 أبريل 2023م، هذه الحرب التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب بشكل أكثر خصوصية على أهالي الجنينة، المدينة التي شهدت سلسلة من الانتهاكات والاختلالات بوتيرة أكثر دراماتيكية عقب الثورة التي اتاحت نظام الانقاذ 2019، حيث تعرضت معسكرات كريندق 1 و2، كرينك، مستري، كرينك، ,ابو ذر وأجزاء واسعة من مناطق ولاية غرب دارفور لهجمات متعددة ذات أبعاد في جوهرها إثنية لسكان تلك المناطق، إلا أن حرب 15 أبريل كانت ذروة سنامها حيث كان لها آثار عظيمة على حياة المدنيين الذين باتوا عرضة لفظائع وانتهاكات جسيمة، وأخذت منحى خطيرًا لجهة أن طابعها مثل استهدافًا إثنيًا صريحًا لكيانات وقبائل بعينها وتعتبر قبيلة المساليت هي الاكتر استهدافا، وهو ما أكدته الوقائع والشواهد وباعتراف وتوثيق جهات مختصة إقليمية كانت أم دولية.
تلك الفظائع أجبرت مئات الآلاف من المهجرين على ترك منازلهم عبورًا للحدود إلى تشاد، وهي التي دائمًا كانت مقصدًا لكل الذين فتكت بهم الحروب منذ العام 2003، ومنها حيث بدأت قصة جديدة مليئة بالتحديات والأحلام المؤجلة. لم تكن رحلة اللاجئين إلى تشاد سهلة، حيث أجبروا على ترك ذكرياتهم ومنازلهم وأحلامهم التي تحطمت أمام أعينهم. آلاف الأرواح أُزهقت في المسافة بين الجنينة ونقاط العبور إلى تشاد، وامتلأت الطرقات بالجثث التي عجز ذووها عن دفنها بطريقة تليق بكرامة الإنسان.
أحد الناجين روى لي بأسى فقدانه 11 فردًا من أسرته المقربة، بين أبناء وإخوة وأبناء عمومة، مؤكدًا أن الرجال كانوا الأكثر استهدافًا، يقول: “كان بعضهم يمكن إنقاذه اذ فقط كانوا يعانون من اثار النزيف نتيجة لتعرضهم لموجات اطلاق نار بلا هوادة، لكنني وقفت عاجزًا. شعرت وكأننا في يوم الزحف، حيث يفر المرء من أمه وأبيه.” وفي المخيمات، وجد اللاجئون أنفسهم يواجهون واقعًا جديدًا لا يقل قسوة عن الكارثة التي تركوها خلفهم. إحدى اللاجئات وصفت الحياة هناك بأنها “سجن بلا أقفال”؛ حيث الازدحام الهائل، والخدمات المحدودة، والمعاناة اليومية للحصول على ضروريات الحياة من ماء وغذاء ورعاية صحية. ورغم جهود المنظمات الإنسانية لتقديم المساعدات، إلا أن الاحتياجات تفوق بكثير ما يُقدم. الحصص الغذائية بالكاد تكفي، المياه شحيحة، والمخيمات تعاني من نقص حاد في الخدمات.
مع كل هذا، يتمسك اللاجئون بحقهم في العودة. في كل زاوية من المخيمات، تسمع الجملة ذاتها: “نريد العودة”. يتطلعون إلى الجنينة، حيث الأرض التي يعرفونها، والأماكن التي عاشوا فيها أجمل لحظاتهم. لكن العودة ليست بالأمر البسيط. الحرب لم تنتهِ، والجنينة نفسها تغيرت كثيرًا. المساكن دُمرت، ونهبت حتى طوب الأرض لم يسلم منها. حتمًا يومًا ستنتهي الحرب وتتوقف أزيز المدافع، ولكن حتى لو توقفت الحرب غدًا، فإن إعادة البناء تتطلب جهودًا هائلة وزمنًا طويلًا. أحد اللاجئين قال بحزن: “ما حدث لم يكن مجرد حرب، بل خطة ممنهجة لاقتلاع الأمل من نفوسنا، ولكن هيهات.”
ورغم ذلك، يبقى الأمل حاضرًا في قلوبهم! الجنينة بالنسبة لهم ليست مجرد مدينة، بل موطن ينتظر أبناءه ليعودوا إليه يومًا ما. السؤال الكبير يبقى: متى يمكننا العودة؟ كل يوم يمر في اللجوء يجعل الحلم يبدو أكثر بعدًا، لكن سكان الجنينة لم يفقدوا الإيمان. “قد نكون هنا الآن، لكن قلوبنا دائمًا هناك”، تقول إحدى اللاجئات وهي تنظر إلى الأفق وكأنها ترى الجنينة من بعيد.
العودة إلى الجنينة ليست مجرد قرار سياسي أو خطة إنسانية، بل هي حق أصيل لكل من أجبر على الهجرة. وبينما ننتظر انتهاء الحرب وبدء عملية السلام، يبقى الأمل في العودة هو النور الذي يضيء طريق اللاجئين في أحلك ظروفهم. الجنينة لم تغب عن عقول وقلوب أبنائها يومًا، حتى وهم في أحلك ظروف اللجوء. هي حلم وواقع، ألم وأمل، لكنها قبل كل شيء موطن، ينتظر أبناءه ليعودوا إليه يومًا ما طالت الغربة.