✍️ هاشم زكريا

هناك سؤال واحد لا ينفك يتردد في ذهني كلما فكرت في الحروب التي تشهدها السودان:
أين هم أبناء أولئك الذين يشجعون الآخرين على القتال؟
إنه سؤال صعب، لكنه سؤال منصف.
قد يقضي شاب من قرية فقيرة سنوات طويلة يحمل السلاح، في حين يواصل ابن أو ابنة زعيم نافذ دراسته في أمان. قد يعيش كلاهما مع عواقب الحرب، لكنهما لا يرثان نفس المستقبل. قد يعود أحدهما حاملاً شهادة جامعية ومهارات وعلاقات مهنية، بينما قد يعود الآخر مصاباً بجروح، وبدون تعليم، وبفرص قليلة لبناء حياة. هذا الاختلاف يستحق مزيداً من الاهتمام عندما نتحدث عن دارفور. غالبًا ما نتحدث عن العرق والأرض والتمرد والقوة العسكرية. لكن ينبغي أن نطرح سؤالاً أبسط: كيف أصبح من السهل جدًّا على القادة الأقوياء تجنيد الأشخاص الذين حُرموا من فرص التعليم والحياة الأفضل؟
لم تبدأ مشاكل دارفور في أبريل 2023. فطوال سنوات عديدة، عانت المجتمعات المحلية في جميع أنحاء المنطقة من نقص المدارس، والرعاية الصحية، والمياه النظيفة، والطرق، والفرص الاقتصادية. وهذه احتياجات أساسية، ومع ذلك حُرمت مجتمعات محلية كثيرة جدًّا منها.
هذا الإهمال له عواقب. فعندما تكون المؤسسات الحكومية ضعيفة أو غائبة، غالبًا ما يلجأ الناس إلى زعماء القبائل أو أصحاب النفوذ المحليين أو الجماعات المسلحة بحثًا عن الحماية والدعم. وعندما لا يكون لدى الأسر ما يدعوها إلى الثقة في الدولة، فإن أي شخص يعدها بالأمن أو الفرص باسم مجتمعها يمكنه كسب ولائها.
الشاب الذي يواجه الفقر وانعدام الأمن وقلة الفرص لا يحتاج إلى أن يكون أحمقاً ليجد تلك الوعود جذابة. فقد يشعر ببساطة أن الخيارات المتاحة أمامه محدودة. وقد يبدو أن السلاح يوفر الدخل أو الحماية أو المكانة أو الشعور بالهدف الذي فشلت الحياة العادية في توفيره.
إن فهم هذه الضغوط لا يبرر العنف. لكنه يساعدنا على فهم كيفية حدوث عملية التجنيد. فإذا اكتفينا بإدانة الشخص الذي يحمل السلاح، فإننا نغفل عن النظام الأوسع نطاقاً الذي يضع السلاح بين يديه.
غالبًا ما تبدأ التلاعبات السياسية بمظالم حقيقية.
قد تكون لدى الناس أسباب مشروعة للغضب من الفقر أو التمييز أو النزاعات على الأراضي أو الافتقار إلى الخدمات الأساسية. لكن بدلاً من التساؤل عن أسباب افتقار مجتمعاتهم إلى المدارس والطرق والرعاية الصحية والفرص الاقتصادية، يمكن للفاعلين السياسيين توجيه هذا الغضب نحو مجتمع آخر.
يُقال للناس إن مشاكلهم ناجمة عن جيرانهم. ويُقال لهم إن بقاءهم يعتمد على السيطرة على الأرض أو إزالة مجموعة أخرى. وقد تُستخدم الأفكار العنصرية للادعاء بأن مجموعات عرقية معينة تتفوق على المجتمعات الأصلية، أو أن بعض الناس يتمتعون بحقوق أقل في الأرض بسبب هويتهم أو مظهرهم.
وفي الوقت نفسه، يمكن للقادة أن يعدوا بالأرض والسلطة والأمن ومستقبل أفضل.
بالنسبة لشخص يكافح من أجل البقاء على قيد الحياة، يمكن أن تكون تلك الوعود مؤثرة للغاية.
لكن هناك بعض الأسئلة التي نادرًا ما تُطرح:
أرض من هي التي يتم الوعد بها؟ من هي المنازل التي سيتم الاستيلاء عليها؟ ماذا سيحدث للعائلات التي تعيش هناك بالفعل؟ وأي نوع من المستقبل يتم بناؤه إذا كان مستقبل مجتمع ما يعتمد على إجبار مجتمع آخر على مغادرة موطنه؟
النزوح القسري ليس فكرة سياسية مجردة. إنه يعني أن تغادر أسرة منزلها. إنه يعني أن يفقد مزارع أرضه ومحصوله. إنه يعني أن ينشأ الأطفال في مكان لم يختاروه أبدًا، وغالبًا دون الحصول على التعليم الذي يحتاجونه.
وهناك مشكلة أخرى. فالأراضي التي يتم الاستيلاء عليها بالقوة لا توفر بالضرورة الأمن لمن يستولون عليها. بل إنها قد تؤدي إلى دورة جديدة من الخوف والضغينة والصراع.
قد يغير القادة السياسيون تحالفاتهم في نهاية المطاف أو يتولون مناصب جديدة، بينما تُترك العائلات العادية لتتحمل العواقب.
لقد أظهر تاريخ السودان هذا النمط مرارًا وتكرارًا. ففي عهد عمر البشير، قامت الحكومة بتسليح ودعم الميليشيات التي هاجمت المدنيين غير العرب في دارفور. ثم نشأت «قوات الدعم السريع» لاحقًا من شبكات الميليشيات هذه، لتخوض في نهاية المطاف معارك ضد الجيش السوداني، شريكها السابق. ومنذ أبريل 2023، يدور القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في حين انضمت بعض حركات التمرد السابقة في دارفور إلى صفوف الجيش. فقد تحول الحلفاء السابقون إلى أعداء، وأصبح الأعداء السابقون أحيانًا حلفاء. لكن الأسر العادية لا تزال تدفع الثمن.
كيف يستغل القادة نقص التعليم
عندما يُهمل التعليم على مدى أجيال، فإن الضرر يتجاوز بكثير مجرد تعلم القراءة والكتابة. بل يفقد الناس أيضًا فرص تعلم كيفية عمل الحكومة، وفهم حقوقهم، وتطوير الفرص الاقتصادية، ومساءلة أولئك الذين يدّعون التحدث باسمهم.
وهذا يفتح الباب أمام التلاعب السياسي. فيمكن للقائد أن يقدم إجابات بسيطة لمشاكل معقدة:
جارك هو عدوك.
مجتمعكم معرض للخطر.
حمل السلاح هو السبيل الوحيد لحماية مستقبلك.
لا يمكن للتعليم القضاء على التلاعب، لكنه يمكن أن يزود الناس بمزيد من الأدوات للتشكيك في هذه الرسائل.
قد يتساءل الشخص الذي وُعد بالأرض أو بالسلطة السياسية: من لديه الصلاحية لتقديم هذا الوعد؟ وماذا سيحدث للعائلات التي تعيش هناك بالفعل؟ ولماذا يُطلب منا القتال في حين أن مجتمعاتنا لا تزال بحاجة إلى المدارس والمياه والرعاية الصحية وفرص العمل؟
هذه الأسئلة مهمة. فهي قد تكشف عن الفجوة بين ما يعد به القادة وما يحصل عليه الناس العاديون فعليًّا. لكن علينا توخي الحذر هنا. فعدم تلقي التعليم الرسمي لا يعني أن الشخص يفتقر إلى الذكاء أو الحصافة. فالكثير من الأشخاص الذين لم يتلقوا سوى القليل من التعليم يدركون التلاعب ويرفضون المشاركة في العنف. كما أن التعليم وحده لا يجعل المرء مسالماً أو أميناً. فبعض الأشخاص الذين ينظمون الحروب ويمولونها هم من ذوي التعليم العالي.
المشكلة الأعمق تكمن في تضافر عوامل الفقر وانعدام الأمن ومحدودية الفرص والتلاعب السياسي. فالأشخاص الذين ضاقت خياراتهم بالفعل جراء سنوات من الإهمال قد يصبحون أسهل في التجنيد. ولهذا السبب، يجب ألا تقتصر المسؤولية على الشخص الذي يحمل السلاح فحسب. بل يجب أيضًا تحميل المسؤولية لأولئك الذين ينشرون الكراهية، ويمولون عمليات التجنيد، وينظمون أعمال العنف، ويتخذون القرارات السياسية. وللمجتمعات المحلية كل الحق في أن تسأل: لماذا يستطيع القادة إيجاد المال لشراء الأسلحة دون أن يجدوه لبناء المدارس؟ ولماذا يستطيعون حشد الشباب للحرب دون أن يخلقوا لهم فرصًا لكسب الرزق؟
وإذا كان القادة يريدون حقًّا مستقبلاً أفضل لشعوبهم، فعليهم أن يساعدوا الشباب على بناء حياة تتسم بخيارات حقيقية، بما في ذلك خيار رفض أي دعوة أخرى للحرب.
ما الذي استفادت منه الأسر العادية؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة عند مناقشة المجتمعات البدوية العربية في دارفور.
وقد ارتكبت بعض الميليشيات المرتبطة بأجزاء من هذه المجتمعات المحلية فظائع جسيمة ضد المدنيين غير العرب. ويستحق الضحايا أن تتحقق لهم العدالة، ويجب محاسبة من خططوا لهذه الجرائم أو أمروا بارتكابها أو ارتكبوها.
لا ينبغي معاملة العائلات والمجتمعات العربية ككتلة سياسية أو عسكرية واحدة. فقد يكون بعض الأفراد قد أُجبروا أو تعرضوا لضغوط أو جُندوا للمشاركة في أعمال العنف. وفي الوقت نفسه، شارك أفراد وشبكات مسلحة مرتبطة بالمجتمعات العربية، بما في ذلك بعض الذين أتوا من خارج السودان، في أعمال العنف والتشريد. ولذلك، ينبغي أن تستند المسؤولية إلى أفعال كل شخص ومستوى تورطه، لا سيما بالنسبة لأولئك الذين دعموا هذه الأعمال أو نظموها أو وجهوها أو شاركوا فيها عن علم، بدلاً من الاستناد إلى الهوية العرقية وحدها.
ومن المهم أيضًا إدراك أن العديد من المجتمعات البدوية عاشت لفترة طويلة في ظل فرص محدودة للحصول على التعليم والرعاية الصحية والمياه النظيفة والفرص الاقتصادية. والاعتراف بهذه المصاعب لا يبرر العنف ولا يقلل من معاناة أولئك الذين تعرضوا للهجوم أو النزوح. بل يساعدنا على فهم كيف يمكن للقادة السياسيين والعسكريين استغلال الفقر وانعدام الأمن وقلة الفرص لتجنيد الناس وكسب التأييد وتعزيز مصالحهم الخاصة.
لذا، بعد سنوات من التوظيف والوعود السياسية، ينبغي أن نتساءل:
ما هي التحسينات الدائمة التي حظيت بها الأسر العادية فعليًّا؟
هل ساهمت القوة العسكرية في توفير مدارس أفضل لأطفالهم؟
هل ساهم ذلك في جعل سبل عيشهم أكثر أمانًا؟
هل أدى ذلك إلى خلق فرص عمل؟
هل وفرت للشباب مستقبلاً أفضل؟
ينبغي أن تثير هذه الأسئلة قلق أي شخص يدعي أنه يتحدث نيابة عنهم.
إن الاعتراف بالحرمان الذي تعاني منه هذه المجتمعات المحلية لا يقلل من معاناة الأشخاص الذين تعرضوا للهجوم أو النزوح. بل إنه يكشف ببساطة عن الفجوة بين ما يعد به القادة السياسيون والعسكريون وما تحصل عليه الأسر العادية فعليًّا.
المستقبل بعد انتهاء القتال
أظهرت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 مدى اتساع نطاق انتشار العنف في السودان. ولم توفر القوة المسلحة حماية موثوقة من الدمار. ومرة أخرى، أُجبرت الأسر الأقل مواردًا على اتخاذ أصعب الخيارات. أما أولئك الذين يمتلكون المال والتعليم والعلاقات السياسية، فلديهم سبل أكثر لحماية مستقبل أطفالهم. أما الأسرة النازحة التي تكافح من أجل الحصول على الطعام والمأوى، فقد لا تتاح لها الخيارات نفسها. فقد يصبح إبقاء الطفل في المدرسة ترفاً عندما تكون الأسرة مجرد تسعى للبقاء على قيد الحياة.
سيظل لهذا الاختلاف تأثيره لفترة طويلة بعد توقف القتال.
قد يُطلق على الشاب لقب «بطل» عندما تكون هناك حاجة إليه في ساحة المعركة، ليُنسى بعد ذلك بمجرد انتهاء القتال وعندما تبدأ عملية توزيع المناصب السياسية والوظائف والفرص.
فبدون التعليم والمهارات وسبل العيش المستقرة، قد يظل معتمداً على نفس الشبكات التي جندته في المقام الأول. وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي كان ينبغي أن نطرحه طوال الوقت:
أين أطفال أولئك الذين يشجعون الآخرين على القتال؟
هل يحملون أسلحة؟
أم أنهم يجلسون في الفصول الدراسية، يدرسون للحصول على الشهادات الجامعية، ويستعدون لمستقبلهم المهني، ويبنون علاقات من شأنها أن تحمي مستقبلهم؟
إذا كان أبناء القادة ذوي النفوذ يحظون بالتعليم والأمان، في حين يُطلب من العائلات الأخرى التضحية بأبنائها من أجل أهداف سياسية، فيجب علينا أن نتساءل: من الذي يستفيد حقًّا من هذه الحرب؟
تستحق دارفور أسلوبًا سياسيًّا مختلفًا، أسلوبًا يطالب قادتها بالمزيد ويقدم المزيد لشبابها.
قبل قبول وعد آخر بالسلطة، للمجتمعات المحلية كل الحق في أن تسأل:
أين تقع المدارس؟
أين السلام؟
أين تكمن الفرص المتاحة لأطفالنا؟
وهل أولئك الذين يطلبون منا التضحية بأطفالنا مستعدون لتقديم التضحية نفسها بأطفالهم؟
لن يتحقق مستقبل أفضل لدارفور من خلال تسليح جيل آخر.
وسيتم بناء ذلك من خلال منح ذلك الجيل سبباً لإلقاء السلاح، وفرصة حقيقية لبناء حياة بعيداً عن الحرب.
تابعونا ✍️